بسام بن ضو/تونس
تشهد مياه البحر الأبيض المتوسط خلال الأسابيع الأخيرة نشاطًا مكثفًا وغير مسبوق نسبيًا للسفن الحربية الأمريكية، في إطار إعادة انتشار أوسع للقوات البحرية التابعة لـ الولايات المتحدة، ما أثار تساؤلات إقليمية ودولية بشأن طبيعة هذا الوجود، وحدوده الجغرافية، ورسائله السياسية والعسكرية، خاصة مع تزايد الحديث عن تحركات بحرية قريبة من السواحل الليبية والتونسية.
ورغم تداول واسع لمصطلح “البارجات الراسية قبالة السواحل”، تؤكد مراجعة التقارير الصادرة عن مؤسسات إعلامية ودفاعية دولية، إضافة إلى مصادر استخبارات مفتوحة، أن الوجود الأمريكي الحالي يندرج ضمن انتشار بحري متحرك داخل المتوسط، وليس رسوًا دائمًا أو تمركزًا ثابتًا قبالة أي دولة بعينها في شمال أفريقيا.
إذ تشير تقارير دفاعية أمريكية وأوروبية إلى أن واشنطن عززت، منذ مطلع العام الجاري، وجودها البحري في المتوسط ضمن إعادة تموضع استراتيجي مرتبط بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، لا سيما على خلفية المواجهة مع إيران، وتداعيات النزاعات الإقليمية على أمن الملاحة الدولية.
ويشمل هذا الانتشار مدمرات صاروخية، وسفن دعم لوجستي، وعناصر من مجموعات قتالية مرتبطة بحاملات طائرات تعمل بين شرق المتوسط ومناطق متصلة بالقيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا.
ويُعد هذا الحضور من أكبر التراكمات البحرية الأمريكية في المنطقة منذ سنوات، وفق توصيف وسائل إعلام متخصصة في الشؤون العسكرية.
ولا توجد حتى الآن بيانات رسمية أمريكية أو دولية تؤكد رسوًا دائمًا أو تمركزًا قتاليًا مباشرًا لسفن حربية أمريكية قبالة السواحل الليبية أو التونسية، غير أن خطوط الملاحة العسكرية في المتوسط تجعل مرور هذه القطع البحرية على مسافات قريبة نسبيًا من سواحل شمال أفريقيا أمرًا طبيعيًا ضمن العمليات الروتينية.
ويفرّق خبراء الشؤون العسكرية بين المرور العملياتي و الانتشار المتحرك ضمن المياه الدولية، والرسو أو التمركز العسكري الدائم الذي يتطلب اتفاقات سياسية وأمنية معلنة، وهو ما لم يُسجّل في الحالة التونسية أو الليبية خلال الفترة الراهنة.
وكانت ليبيا قد شهدت في فترات سابقة زيارات بروتوكولية لسفن أمريكية إلى موانئها في إطار التعاون الأمني، لكن تلك الزيارات لا تُصنّف ضمن الانتشار القتالي أو التمركز العسكري طويل الأمد.
وبحسب محللين عسكريين ودبلوماسيين، يندرج هذا النشاط البحري ضمن ثلاثة أهداف رئيسية وهي تعزيز الردع الاستراتيجي عبر إظهار الجاهزية العسكرية الأمريكية في مواجهة أي تصعيد إقليمي محتمل ، حماية طرق الملاحة الدولية لا سيما في ظل تصاعد المخاطر الأمنية التي تهدد حركة التجارة والطاقة بين أوروبا والشرق الأوسط وثالثها،طمأنة الحلفاء والشركاء من خلال حضور عسكري مرن يتيح التدخل السريع دون الحاجة إلى قواعد برية جديدة.
ولا يقتصر معنى هذا الانتشار على البعد العسكري المباشر فقط، بل يحمل رسائل سياسية واضحة موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية، مفادها أن المتوسط لا يزال جزءًا من المجال الحيوي للاستراتيجية الأمريكية، وأن أي اضطراب أمني في شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط ستكون له انعكاسات تخضع لمراقبة دقيقة من واشنطن.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء أن تونس وليبيا ليستا هدفًا مباشرًا لهذه التحركات، بل تقعان ضمن محيط جغرافي أوسع تتقاطع فيه المصالح الأمنية الدولية.
ومع غياب تأكيدات رسمية حول رسو دائم للبارجات الأمريكية قبالة السواحل التونسية أو الليبية، يمكن القول إن ما يجري حاليًا هو انتشار بحري أمريكي واسع في البحر الأبيض المتوسط، تحكمه اعتبارات الردع، وأمن الملاحة، وإدارة التوترات الإقليمية، وليس تغييرًا مباشرًا في موازين التمركز العسكري في شمال أفريقيا، ويبقى هذا الوجود ديناميكيًا وقابلًا للتبدّل تبعًا لتطورات المشهد الإقليمي، ما يجعل المتابعة الدقيقة للمصادر الرسمية والدفاعية أمرًا أساسيًا لفهم اتجاهاته المستقبلية.











