حوار لمحمد بن عبد الله
غزة. نعيم: حين تصبح الكتابة الملاذ الأخير للبقاء حيًّا تحت القصف
حوار مع الكاتب الشاب نعيم أبو سيف، الذي نجا من جحيم غزة ووصل إلى تورينو:
«الأرقام مهمة، لكنها بلا نبض، لا تنقل الألم ولا الأمل».
لم يكن نعيم يسعى لأن يصبح كاتبًا مشهورًا، ولا لأن يكتب لجمهور أوروبي. كان يبحث فقط عن وسيلة للبقاء إنسانًا. وُلد في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، حيث تشكّلت طفولته بين البيوت المتلاصقة والحرمان الدائم، وحيث استُشهد والده برصاص الجيش الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية، تاركًا فراغًا لم ينجح الزمن ولا المسافة في ملئه.
درس نعيم الصحافة في غزة، لكنه سرعان ما أدرك أن الخبر وحده لا يكفي لرواية ما يعيشه الناس تحت القصف. خلال الحرب الأخيرة التي اجتاحت القطاع، وبين فقدان الأحبة ودمار القرى والمدن، وجد في الأدب لغة أصدق من الأرقام وأكثر قدرة على الوصول إلى القلوب. هكذا وُلد كتابه “آخر نفس لغزة”، لا بوصفه سردًا للأحداث، بل شهادة حيّة كُتبت بينما كانت القنابل الإسرائيلية تتساقط على الفلسطينيين في غزة.
بعد خروجه من القطاع بفضل منحة دراسية، وصل نعيم إلى إيطاليا، حيث يدرس اليوم في جامعة تورينو، حاملًا معه ذاكرة المخيم، وثقل الفقد، ومسؤولية إيصال صوت غزة إلى جمهور بعيد جغرافيًا، لكنه ليس بالضرورة بعيدًا إنسانيًا.
في هذا الحوار، يروي نعيم مساره بين الصحافة والأدب، بين المخيم والمنفى المؤقت، وبين الكتابة بوصفها فعل مقاومة وضرورة للبقاء.
—
من كان نعيم قبل وصوله إلى تورينو؟
«كنت فتىً من مخيم جباليا، طفلًا يراقب الحياة بين البيوت المدمّرة والشوارع الضيقة. هناك، بين جدران تصمد، تعلّمت معنى الصبر والمعاناة، وأدركت أن الكلمة قد تكون أكثر وقعًا من الحجارة».
كيف أثّر مخيم جباليا وطفولتك في غزة على وعيك بالظلم بوصفك فلسطينيًا؟
«كان الظلم جزءًا من الحياة اليومية، ولذلك كانت الكلمة هي الوسيلة الوحيدة للتواصل والمقاومة. من مخيم جباليا تعلّمت أن الكتابة ليست ترفًا، بل واجبًا وطريقة للبقاء إنسانًا وسط الركام».
كيف أثّرت وفاة والدك خلال الانتفاضة الثانية في علاقتك بالقضية الفلسطينية؟
**«غيّرتني وفاة والدي إلى الأبد. لم أعد أرى العالم بالعين نفسها، وفهمت أن الصمت لم يكن خيارًا. أصبحت الكتابة امتدادًا لصوته، لحضوره الذي فقدته، وطريقة للحفاظ على الذاكرة. عندما أكتب، أشعر أنني أحتضن جزءًا من وجوده، وأن الكلمات قادرة على ملء الفراغ الذي تركه».
اخترتَ الصحافة، لكنك انتقلت من الخبر إلى السرد. لماذا؟
«الخبر يروي ما حدث، لكن الأدب ينقل ما يشعر به الإنسان: الرعب، الخوف، الأمل، الحب… الأدب يمنح الحياة لأرقام القتلى التي نقرأها في الصحف. هذا مهم لأن القصص الفردية تصل إلى القلب قبل العقل. الأرقام مهمة، لكنها بلا نبض، لا تنقل الألم ولا الأمل. الكتابة تحت القصف… كانت كل يوم تحديًا، لكنها الطريقة الوحيدة للبقاء متماسكًا، وللشهادة، ولإقناع نفسي بأن الحياة لم تنته بعد».
ما الذي لم تستطع كتابته أو نقله عن حرب غزة؟
«الكتابة عن الفقد الذي يدمّر العائلات ويُبيد الأحبّة أمر صعب، لكنه ضروري. تحويل الألم إلى كلمات يسمح بنقل المعاناة من دون أن يعيشها الآخرون مباشرة، وبالتالي إيصال حجم المأساة. مع مرور الأيام، بين النزوح والقصف والدمار والموت، تغيّر أسلوبي في الكتابة: أصبحت أكثر مباشرة وأقل زخرفة».
ماذا يمثّل لك مخيم جباليا اليوم بعد كل هذا الدمار؟
«جباليا هي جذوري، والذكريات لا يمكن محوها. ليست مجرد مكان، بل روح تعيش في كل كلمة أكتبها. الكتاب كُتب أساسًا لإنقاذ الذاكرة، ذاكرة من فقدوا بيوتهم أو أحبّتهم».
كيف كانت لحظة مغادرتك غزة؟
«كانت مزيجًا من الفرح بالنجاة والشعور بالذنب: امتنان لمن ساعدني، وخوف من ترك الأرض خلفي. بعد وصولي إلى إيطاليا، بدأت أرى العالم من زاوية أوسع، لكنني أشعر بمسؤولية أكبر في نقل صوت غزة، لا بوصفها مأساة فقط، بل حياة وإرادة مقاومة».
كيف كان تفاعل القارئ الأوروبي مع كتابك؟
«كان مؤثرًا ومفاجئًا. لم أكن أتوقع هذا العمق من التعاطف، لكنني لا أريد أن تتحول معاناة شعبي في النهاية إلى مجرد منتج ثقافي. وأسمح لنفسي هنا بتوجيه شكر لدار النشر وفريقها، الذين أتاحوا لي نشر قصتي ومغادرة غزة».
هل تفكّر يومًا في العودة إلى غزة؟
«العودة ضرورة روحية، لكن الواقع يجعلها صعبة جسديًا. الكتابة تنقل غزة إلى كل قارئ، أينما كان. خوفي أن ينسى العالم يومًا، أن ينسى أن في غزة أناسًا يعيشون، يحبّون، يحلمون، وليسوا مجرد ضحايا».










